المنهج التجديدي لفكر محمد عبده

المنهج التجديدي لفكر محمد عبده
  • الكاتب: سعد سوسه.
  • المصدر: الحوار المتمدن.

تأتي أهمية المنهج ” مجموعة من العمليات الذهنية تتيح تحليل الواقع وتفسيره ” وضرورته لكل إصلاح ولكل تجديد فكري ، لان كل خطأ في الحكم ينتج أساسا عن خطأ في المنهج ، كما آن كل كشف جديد يأتي أيضا عن كشف في المنهج ، وبما إن الأمر يتطلب معالجة هذه الأزمة الفكرية ، والمأزق الثقافي الذي يمر به المجتمع العربي الإسلامي إذ آن تأكيد التحدي العربي بجميع أشكاله وأبعاده كافة اتخذه عملية تأكيد الذات على المستوى الفردي أو المجتمعي شكل نكوص إلى مواقع خلفية للاحتماء بها والدفاع انطلاقا منها وهذا يتعلق بشكل خاص ( بالتيار السلفي ) في الفكر الحديث والمعاصر الذي انشغل بالتراث واحيائه واستثماره في إطار قراءة أيدلوجية جديدة ، وبدأ هذا التيار مع جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده على هيئة حركة دينية وسياسية إصلاحية متفتحة ، أي إعادة قراءة التراث وجعله حيا وهذا ما أطلق عليه مؤخرا بالأصالة والمعاصرة ، وهو موضوع القديم الجديد ، من هنا كانت الحاجة ملحة لاختيار منهج محدد يتلاءم مع قراءة جديدة للتراث ، أي فهمه وتفسيره وتوجيهه أي تحويل التراث إلى تراث حي وذلك بالأخذ من التراث ومن الحداثة كل ما هو تقدمي وصالح ، أي انهم لا يرفضون القديم لمجرد قدمه ولا يعشقون الحديث لمجرد حداثته بل يتمسكون بكل قديم نافع ، ويرحبون بكل حديث صالح ، أذن فأن عملية الجمع بين التراث والمعاصرة ليست عملية سهلة ذلك لان النهوض الذي يطلبه عبده لا يمكن آن يتحقق بالاختصار على رواية الماضي وتعظيمه ، كما لا يمكن أن يتحقق باستيراده من خارج أفكار الأمة وقيمها ، لان في كلتا الحالتين حالة اغتراب ، بشقيه الزماني والمكاني ، وهما بالتالي يقفان على ارض هي التقليد .
وخشى عبده أن تتوطد العلمانية الطاغية في الفكر الأوربي على الأمة الإسلامية بإدراكه إن البنية الدينية في شكلها الجامد ، والتخلف التي كانت قد وصلت أليه لن يمكنها من الصمود في وجه هذا المد الجديد وان الحل السياسي الأيدلوجي يكمن في العودة بالإسلام إلى مرونته الأولى التي استطاعت أن تستوعب الثقافات السابقة عليه ، ويجب آن يتخلص الإسلام من البدع التي لحقت به ، وان يستنير الناس بالعلوم الحقيقية دينية ودنيوية ، فكان منهجه في هذا الصدد منهجا إحيائيا إصلاحيا يستهدف إزالة الجهل بزوال أسبابه ، والسعي إلى العودة إلى جوهر الدين لا إلى مظاهره السطحية .
فدعى إلى استلهام الماضي من اجل فهم الحاضر ، أي إن ينسكب الماضي في الحاضر انسكابا لا يعرقل سيرنا ، بل يجيء قوة محركة دافعة تزيد من عجلة السير وذلك لان من تراث الماضي ما يعرقل ومنه ما يحرك ويدفع ، فليس للحاضر الحي غنى عن ماضي يمده بغذاء الحياة كما تمد ألام جنينها ، أذن لابد من هدم حواجز الزمن بيننا وبين السلف وبهذا يتحقق الربط المنشود في ثقافتنا بين عصرية وتراث ، ومن هذا المنطلق أكـد عبده على وجوب إصلاح مصر على أسس واعية متفتحة ، على غرار سبل الإصلاح في أوربا ، منتقدا فيها المفاسد الاجتماعية والإدارية ، ونبه إلى ضرورة بناء نهضة متدرجة متطورة مؤكدا على أهمية الإصلاح في حياة الأمم وضرورة التدرج فيه وسلوك طريقة التربية البطيء ، الذي هو في رأيه أجدى من طريقة الثورة السريع مشيرا بأنه لا بد من ( الثقافة والاستنارة لتكوين الرأي العام الذي يستحق الحياة السياسية ، والحقوق السياسية قبل المطالبة بالدستور ومجلس النواب والحكومة المقيدة به ) وهنا نلمس السمة الأساسية في منهجه وهي التغيير في الواقع ، فاتجهت منطلقاته الفكرية نحو أمرين جوهريين هما انعتاق الوطن وازدهاره يعتمدان عليهما وهذين الأمرين يعتمدان على : التغيير والتقدم .
ويمكننا آن نعدهما الخطوة الأولى والمهمة لمنهج عبده ، فالتغيير في الواقع والتقدم نحو أنموذج افضل كان واضحا عند عبده الذي نكاد نلمس في فكره كل الميادين من دين إلى علم إلى سياسة إلى تربية واجتماع ، ولكن بدرجات وفي سياق قناعا ته وظروفه هو ، ليكون في كل الأحوال شاهدا مدركا لواقع عصره وملامحه .
فحرص عبده على ضرورة الاعتراف بالحاجة إلى التغيير ، ومن أهم شروط هذا التغيير ربطه بمبادئ الإسلام ، واثبت في طروحاته الفكرية إن الإسلام يمكن به آن يشكل المبدأ الصالح للتغيير والرقابة السليمة عليه إذا ما فهم على حقيقته ولم يقصد عبده بذلك صلاحية الإسلام ليكون الأساس الخلقي لمجتمع حديث وتقدمي فحسب ، لان الإسلام يفضل كل ما كان يعمل باسم التقدم ، ولكن ركز اكثر من ذلك على إن الإسلام ، كما فهمه مبدأ ردع من شأنه آن يمكن المسلمين من التمييز بين الصالح والطالح في مختلف وجوه التغيير الحاصل ، لذلك كانت مهمة الشيخ عبده ذات شقين :
الأول – إعادة ماهية الإسلام الحقيقي .
الثاني- النظر في مقتضياته بالنسبة إلى المجتمع الحديث .
أما فكرة التقدم في منهج عبده فنجدها تتحدد من خلال تمسكه بالتربية في مفهومها الأوسع ، بدءاً بتربية الذات وانتهاء بتربية كل فرد من أفراد المجتمع بوصف ذلك أحد أهم أسباب بناء الإنسان الذي كان يحلم به ، وعد عبده إن تغيير الإنسان لذاته كفيل بأن يتم تغيير المجتمع برمته مستنداً بذلك إلى قوله تعالى ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .
ومن هنا نجد عبده يربط بين التغيير والتقدم لكونهما حالة واحدة لا تنفصل الواحدة عن الأخرى ، ذلك لان أي بناء لا يمكن إن يتم إلا من خلال إصلاح الأفراد الذين إذ ما صلحوا فأن المجتمع سيكون صالحاً أيضا ، هنا نستطيع أن نلمس سمة أخرى من سمات المنهج عند عبده وهو التجديد ، إذ تميز بالتجديد في رؤيته للواقع الاجتماعي والتراث الديني ، مدركاً بثاقب بصره إن التطورات الحديثة التي طرأت على المجتمع الإسلامي أفرزت حالتين أساسيتين لكل منهما سماته الخاصة ونظرته إلى الحياة ، فوجد في مصر أنموذجا لهاتين الحالتين الجامعين بين العلم وبين التعليم الحكومي الذي تبنى النمط الغربي ، وقد افرز ذلك عن جيلين من المتعلمين مختلفين من حيث النظرة الدينية التقليدية ، وجيل آخر اعتمد العلوم العصرية وتبنى فكرة تحديث المجتمع وآمن بالتغيير أسلوبا ومنهجاً في الميادين الفكرية والعملية .
فاعتمدت دعوة عبده في التجديد الديني على أسس ثابتة هي:
1- تطهير الإسلام من البدع والظلالات التي علقت به والعودة به إلى أصوله الأولى .
2- الثورة على التقليد والمقلدين الذين سلبوا دور العقل واغفلوا طريق البحث والعلم .
ومن كل السمات السابقة لمنهج عبده نستطيع إن نضمها تحت مقولة أهم في صنع منهجه وهي ( العقل ) ، إذ يؤكد عبده أن الإسلام لم يدع إلى إهمال العقل كما اتهمه أعداؤه ، لذلك يجب الحث على العلوم العقلية وغيرها ، آن نبني المجتمع الصالح الذي يمتثل لأوامر الله ويفسرها تفسيراً عقلياً ، وعلى وفق الصالح العام ، لكون الإنسان لم يخلق ليقاد بالزمام ولكن ليهتدي بالعلم والأعلام، ومن هذا المنطلق فقد دعا عبده المسلمين إلى إن يقوموا بما كان عليهم القيام به دوماً وهو إعادة تأويل شريعتهم بما يجعلها تتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة ، فالله حسب وجهة نظره ، لم ينزل سوى مبادئ عامة تاركاً للعقل آمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة . وفي منهجه الذي ربما نكون حذرين في تسميته وهو العقلاني نجده قد ركز على أهمية العلوم الكلامية ، والدعوة إلى تلقي العلوم العصرية ، كتب عبده رسالة التوحيد ومقالات عدة في ( الوقائع المصرية ) طرح من خلالها في إطار قناعاته ، ما رآه صالحاً لتدارك حالة الضعف التي انتابت الأمة ، وعلاج العلل التي أدت بهم إلى ماهم عليه من حالة الانحطاط بحيث انه من خلال الصراع الذي دار بين الفلاسفة والمتكلمين فقد انتقد إصرار الفلاسفة على اعتبار العقل سلطة مستقلة عن سلطة الوحي ، فيقول بهذا الصدد : ( أما مذاهب الفلاسفة فكانت تستمد آرائها من الفكر المحض ، ولم يكن من هم أهل النظر من الفلاسفة ، إلا تحصيل العلم والوفاء بما تندفع أليه رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول ) أي انهم ادعوا أن العقل قادرعلى التمييز بين الحق والباطل بمعزل عن الوحي ، لكننا نجده متفق مع معظم المتكلمين الذين شددوا على تكامل العقل والوحي ، مؤكدين حاجة العقل إلى الوحي للوصول إلى معرفة الحق ويشتغلوا ( في أصول العقائد والأحكام بما هداهم أليه سير القرآن اشتغالا يحرص فيه النقل ولا يهمل فيه اعتبار العقل ولا يغض فيه من نظر الفكــر) لكنه في مقابل هذا فهو قد انتقد جماعة من المتكلمين الذين كانوا يغالوا في التمسك بالنص وانكروا التأويل واعمال العقل فيما وراء النص ومن أصحاب هذا الجانب هم الظاهرية الظاهرية : وهم تيار فكري يرفض تأويل ظاهر النصوص حتى لو تعارضت مع العقل إذ يقدمون النقل على العقل ومن أعلامهم ( ابن حزم الأندلسي (994-1064م) واحمد بن حنبل (855م) وابن تيمة (1263-1328م)) .
والجهمية ( سميت بهذا الاسم نسبة الى زعيم هذه الفرقة وهم ( جهم بن صفوان ) وهم الذين ذهبوا إلى ان الإنسان لا حول له ولا قوة فيما يصدر عنه من أفعال ، أي رفضوا آن يكون للإنسان أي قدرة على الفعل ، بل انهم شبهوه أحيانا بالريشة المعلقة في الهواء تميلها الريح حيث شاءت ، واحيانا أخرى بالحجر والجماد الذي ليس له من الأمر شيء فيما يفعل به للمزيد يراجع : القاسمي ، جمال الدين / تاريخ الجهمية والمعتزلة ، ط1 ، القاهرة ، 1331هـ ).
الذين عدوا أن تعاليم الوحي هي المحدد الوحيد في كل الأزمان للمنهج الخلافي من دون أن يكون للعقل أي دور سوى التنزيل المباشر لظواهر النصوص في حياة الناس .
ونجده قريبا من المعتزلة ( تيار فكري وتنظيم سياسي تبلور في أواخر القرن الأول الهجري ، وهي من اكثر مدارس الفكر العربي الإسلامي أصالة وتعبيرا ، بواسطة المنهج العقلي عن قضايا المجتمع الذي عاشوا فيه ، تبلورت على يد شيخها ( واصل بن عطاء 699-749م ) واهم القسمات الفكرية للمعتزلة أيمانهم بحرية الإنسان واختياره، ويعدونه صاحب الحق في إقامة السلطة السياسية في مجتمعه وعزلها ، ووجوب الثورة على السلطة الجائرة وهي طليعة الفرق الإسلامية التي أعلت من شأن العقل ووثقت في قدرته ويسمون أهل العدل والتوحيد ، للمزيد يراجع : القاسمي ، جمال الدين / تاريخ الجهمية والمعتزلة ، ط1 ، القاهرة ، 1331هـ ) .
بقوله إن هنالك ( من انتدب نفسه للنظر في العلم والقيام بفريضة التعليم ) واقر عبده أن الشريعة جاءت لامرين من أهم أركان السعادة البشرية وهما :
1- أن العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته .
2- أن قدرة الله هي مرجع لجميع الكائنات ، وان لا شيء سوى الله يمكن ان يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه .
فمن خلال العلاقة بين العقل والأيمان نجد آن عبده دعا إلى آن العقل يجب إن يحكم كما يحكم الدين ، فالدين عرف بالعقل ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معاً ، وبهذا فقد عد النظر العقلي من الأسس الأولية التي وضع عليها الإسلام ذلك لانه وسيلة الأيمان بالله ، فعن طريق العقل يؤول النقل ، وقد أجاز عبده تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض ، لان للعقل القدرة على التمييز بين الفضيلة والرذيلة ، وبالتالي فالإنسان يختار أفعاله بإرادته وقدرته ، وهنا يتضح لنا منهجه العقلي على الرغم من انه لا يفتح للعقل متسعا كبيرا ذلك لانه حدده بارتباطه بالدين على أساس أن ما يعرفه هو العوارض ، أما الجواهر فعلمها عند الله ذلك لان ( العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد الهي ) وله حدود لا يمكن تجاوزها لعدم قدرته على ذلك ، ومن هذه الأشياء الممتنعة عن العقل هي البحث عن صفات واجب الوجود وماهيته وكيفية الاتصاف بها ، فالعقل لا يدرك إلا عوارض الأشياء أما الوصول إلى كنهها أو حقيقتها فأمر ممتنع عليه ، مبيناً انه إذا ( قدرنا عقل البشر قدره ، وجدنا غاية ما ينتهي أليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني حساً أو وجداناً أو تعقلاً … أما الوصول إلى كنه حقيقية فما لا تبلغه قوته ) ومن هنا قيل انه تبنى نظرية اللاأدرية( اللاأدرية : نظرية تنكر كلياً أو جزئياً إمكانية معرفة العلم ، وتؤكد أن العقل عاجز عن مجاوزة حدود الخبرة الذاتية عند صاحبه ، فمحال عليه إقامة البرهان على أي شيء يفترض وجوده في خارج تلك الحدود . لانه لم يكن بإمكانه الإجابة عن جميع الأسئلة التي أثيرت في زمانه أما تهرباً أو عدم قدرته على اكتشاف كنهها في أحيان أخرى لكن الموقف الأساسي لعبده هو منهج العقلانية الدينية ، أي إن الإسلام دين عقلي ، لكن من ناحية أخرى هو يربط بين العقل والوجدان بقوله أن ( العقل والوجدان لا يختلفان في الحكم بصحة الاختبار، وشمول العلم الإلهي ، ونفوذ قدرة الله فيما لا اختيار لنا فيه ، وهي هبة قوة الاختيار نفسها ) .
فالعقل ينظر في الغايات والأسباب والمسببات والبسائط والمركبات وعلى هذا الأساس فان وظيفة العقل تتركز في إصدار القوانين والقواعد ولهذا مجال لدخوله إلى شيء من العلمية ، أما الوجدان فيقع على مشاهدات الحس الباطن وعلى الحدوس الشعورية والوجودية المباشر ، مؤكداً على أن ( العقل يضمن صحة أصول العقيدة ، بينما يناط بالوجدان حمل الإنسان بوجوده الكلي على العمل الأخلاقي ) . ومن هذا المنطلق يتبين آن الشيخ عبده يرى أن تقويم النفس وصلاحها هو من عمل ملكة الوجدان بعدها قوة ردع للإنسان ، إذ هي ( الطريق الأقرب في بيان مضار الإسراف في الرغب وفوائد القصد في الطلب.. وتجد اقصر الطرق وأقومها آن تأتي أليه من نافذة الوجدان المطلة على سر القهر المحيط به من كل جانب ) .
ويمكن أن نستخلص مما تقدم أن المنهج التجديدي عند عبده يتحدد بأربعة محاور أساسية :
أولاً: الثابت ( النص فيكون منسجماً مع هذا التجدد ) .
ثانياً: المتغير ( يرى عبده ضرورة القبول بواقع التغيير لان هنالك قضايا استجدت من خلال تطور بالواقع ، وهذا يمكن آن يجعل المسلمين في حرج أمام ضغط هذا الواقع ، أذن هو يهتم باستعادة واقع الإسلام على حقيقته ، واعتبار ما يتضمنه لمصلحة المجتمع الحديث فهو يطالب بالمجتمع المثالي الذي يخضع لأوامر الله ويحاول تأويلها بالرجوع إلى العقل في ضوء المصلحة العامة ) .
ثالثاً: العقل ( جعل عبده من شروط العقل ليكون مساهماً في التجديد هي الحرية الفكرية وان يكون متحرراً من قيود التقليد والتبعية والبدع والظلالات ) .
رابعاً: اللغة ( رأى في لغة العرب أداة مهمة على طريق التقدم والرقي ، وأدان ما جناه الجمود على اللغة ، واثر بها تأثيراً سلبياً ، فضلاً عن تأثيره على الأمة ونظمها الاجتماعية وشريعتها ، وطالب بضرورة التنوير في ظل الضوابط الإسلامية ) .
وبهذا نجد أن الشيخ عبده سعى في جميع كتاباته واعماله لاسيما في أواخر حياته ، تحقيق هدف مهم هو سد الثغرة القائمة في المجتمع الإسلامي ، بغية تقوية جذوره الفكرية ، قياسا إلى المجتمع الحديث الذي انقسم إلى فريقين بعد دخول أفكار عصر التنوير الفرنسي ، والتي أصبحت مألوفة لدى الشباب العربي ، فانتشرت بينهم اللغة الفرنسية ، وتفرنس بعضهم ، فحاول عبده من منطلق حرصه على وحدة المجتمع الإسلامي ، الاعتراض على المتنورين المتأثرين بالمفكرين الغربيين ، لانه رأى آن الانقسام في المجتمع الإسلامي ولم يعن انتفاء أساس مشترك بوحدة أبناءه ، وانما يشكل تهديداً لاسس المجتمع الخلقية بفعل روح العقل الفردي القلقة ، المتسائلة دوما والشاكة أبدا ، وادرك عبده سرعة عطب الثقافة الغربية لدى المصري المتفرنس الذي كان يكتفي بتقليد مظاهر الحياة الأوربية الخارجية ، وقال بهذا الصدد ( أن مظاهر القوة هي التي حملت الشرقيين على تقليد الأوربيين في ما لا يفيد من غير تدقيق في معرفة منابعها ) وهذه التصورات الفكرية هي التي ميزت منهج الشيخ عبده وأعطته أصالته ، والذي يمكن تسميته بالمنهج التجديدي الذي تجسدت فيه سمات العقلانية والتوفيقية بصورة كبيرة ، كونه قد سلم من إفراط الأولين وتفريط الآخرين وامن بالآخذ من التراث ومن الحداثة كل ما هو تقدمي وصالح .
المصادر:
1 . نصر محمد عارف ( المقدمة ) في د. احمد عروة واخرون ( قضايا منهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية ، ط1 ( المعهد العالمي للفكر الإسلامي ) القاهرة ، 1996 ، ص8 .
2 . الجابري ، محمد عابد / نحن التراث / قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1980 ، ص7-15 .
3 . البازجي ، حليم / الأيدلوجية الإصلاحية ومظاهرها في الفكر العربي الحديث ، بيروت ، المجلد الثاني ، ج2 ، د.ت ، ص129 .
4 . محمود ، زكي نجيب / ثقافتنا في مواجهة العصر ، دار الشروق ، ط2 ، بيروت ، 1979 ، ص150-155
5 . جعيط ، هشام / الشيخ محمد عبده ، مجلة ( المستقبل العربي ) ، العدد (38) بيروت ، نيسان ، 1982 ، ص11-12 .
6 . الإمام عبده / الإعمال الكاملة ، ج1 ، ص44 .
7 . قاسم ، محمود / ملاحظات على منهج الإمام في إصلاح التعليم ، مجلة (( دعوة الحق )) المغرب ، العدد التاسع، للسنة الثالثة عشر شباط ، 1970 ، ص110 .
8 . زاهري ، احمد جاسم / محمد عبده في الإطار الفلسفي ، بيروت ، 1999 ، ص83-84 .
9 . الإمام عبده / الإسلام بين العلم والمدنية ( مجلة الهلال ) القاهرة ، العدد 385 ،

Loading